الحمص، من مطبخ إلى آخر
حالات الحمص الأربع، نيئا مطحونا ومسلوقا صحيحا ومهروسا ودقيقا، وما يتيحه كل منها في المطبخ، ولماذا لا تحل المعلبة محلها.

يُطبخ الحمص في أربع حالات، وكل حالة تفتح أطباقا لا تتيحها الأخرى: نيئا منقوعا ثم مطحونا، ومسلوقا صحيحا، ومهروسا، ومطحونا دقيقا. فالفلافل لا توجد إلا في الحالة الأولى، والحمص بالطحينة في الثالثة، والسوكا في الرابعة. والخلط بين هذه الحالات هو السبب الأول للإخفاق في المطبخ: علبة معلبة لن تعطي فلافل تتماسك أبدا.
الحالات الأربع وما يتيحه كل منها
| الحالة | التحضير | ما تتيحه | ما تمنعه |
|---|---|---|---|
| نيء منقوع مطحون | 12 ساعة ماء بارد، بلا طبخ | الفلافل والأقراص المقلية | الأكل دون طبخ نهائي |
| يابس مسلوق صحيحا | نقع ثم ساعة ونصف طبخ | الطواجن والشوربات والسلطات | تماسك الشكل إذا زاد الطبخ |
| مهروس | مطبوخ حتى الطراوة ثم يُخلط | الحمص بالطحينة والمعاجين | النعومة إذا بقيت القشور |
| دقيق | حب نيء مطحون | السوكا والكرنتيكا والبانيس | التخمّر: لا غلوتين فيه |
هذا الجدول هو خريطة ما بقي من المقال. والمطابخ التي تعيش على الحمص كثيرا ما تستعمل ثلاثا من هذه الحالات في أسبوع واحد دون أن تفكر في ذلك.
لماذا تشترط الفلافل حمصا نيئا
الفلافل هي الحالة الوحيدة التي تدخل فيها البقولية نيئة إلى الزيت. فالطبخ كله يجري في القلي، في دقيقتين أو ثلاث، وهذا التأخير هو ما يعطي التباين: قشرة يابسة وقلب أخضر هشّ.
الحمص المسلوق سلفا امتص الماء وترك نشاه في المرق. وإذا طُحن أعطى عجينة رخوة تطلق ذلك الماء عند ملامسة زيت على 175 درجة، فتنفجر الكرة أو تتحلل. أما الحمص النيء المنقوع فقد انتفخ دون أن يتجلتن: نشاه سليم ويتماسك أثناء القلي فيلحم الكرة من الداخل.
انقع اثنتي عشرة ساعة في ثلاثة أضعاف حجمه ماء، وصفّ طويلا، واطحن في مفرمة حتى تبقى الحبيبات مرئية، لا في خلاط حتى القشدة. أضف البقدونس والكزبرة والثوم والكمون، وأرح الكتلة في البرد قبل التشكيل.
الحمص الصحيح ومسألة البيكربونات
البيكربونات تجعل الماء قلويا. وفي الوسط القلوي يذوب البكتين الذي يربط جدران الخلايا أسرع، فتستسلم القشرة وينتفخ النشا بحرية. ومن نصف ملعقة صغيرة إلى ملعقة لكل 250 غراما تكفي، وما زاد يعطي طعما صابونيا.
وليست هذه الحيلة صالحة في كل مكان. ففي اللبلابي التونسي، حيث يُقدَّم الحمص ذائبا في مرقه فوق خبز يابس، هي في محلها. أما في شانا ماسالا حيث يجب أن تبقى كل حبة متميزة في الصلصة، فهي ضارة: أطل الطبخ في ماء صاف بدلا منها.
ويزن عاملان آخران وزنها. الحمض يقسّي: فالطماطم والليمون والخل تدخل بعد أن تستسلم القشرة لا قبلها. والعمر يحكم: حمص عمره ثلاث سنوات لن يلين مهما فعلت.
ماء الطبخ ليس فضلة
المرق الباقي بعد الطبخ يحمل النشا الذائب وجزءا من البروتين. وهو مكوّن لا منتج جانبي.
في اللبلابي هو الطبق نفسه: يُسكب حارا على الخبز والهريسة والكمون. وفي الكشري المصري يطبخ الأرز والعدس دون أن يفقرهما. وبعض وصفات الحمص بالطحينة تسكبه في الخلاط بدل الماء البارد، أما وصفة الموقع فتفضّل الماء المثلج الذي يعطي قواما أخف. وإذا برد صار أكوافابا يُخفق لأن بروتيناته تتصرف كبياض البيض.
ولا خلط هنا: ماء النقع يُرمى، فهو يحمل السكريات المسببة للانتفاخ ولا قيمة له في الطبخ.
ما تفعله العلبة وما لا تفعله
العلبة فيها حمص مطبوخ بالضغط ومملّح ومثبّت. وغذائيا يقترب كثيرا من اليابس بشرط الشطف، ويفيد في سلطة أو كاري سريع أو طبق يوم عمل.
لكن ثلاثة أمور تفوته. الفلافل، للسبب السابق. والتحكم في القوام: لا يمكنك استهداف حبة متماسكة لسلطة ولا لبّ ينسحق لهريس، فالعلبة تفرض درجة نضجها. والمرق: سائل العلبة ليس ماء طبخ بل محلول ملحي، يصلح أكوافابا ولا طعم له في طبق. والكلفة تدخل الحساب أيضا: اليابس أرخص بكثير، وقدر واحد كبير يغطي وجبات عدة في الأسبوع. والعادة التي تستحق الاكتساب بسيطة: اطبخ كمية كبيرة من الحمص اليابس مرة واحدة، واحفظها في مرقها في الثلاجة ثلاثة أيام أو أربعة، وجمّد الباقي حصصا فوق كل منها مغرفة من السائل. فإذا جُمّد جافا صار قوامه كالدقيق، وإذا جُمّد في سائله عاد كما دخل تقريبا.
الهرس: الحمص بالطحينة وأقاربه
الهريس الأملس يحتاج حبا مطبوخا أكثر مما يقبله طاجن، ينسحق بلا جهد بين الإبهام والسبابة. وهنا تجد البيكربونات مبررها الكامل، ونزع القشور، على مشقته، يغيّر القوام أكثر من كمية الطحينة.
الحمص بالطحينة يقوم على أربعة عناصر وسائل: حمص وطحينة وليمون وثوم وماء مثلج. وخفق الطحينة مع الليمون أولا، قبل وصول الحمص، يبيّضها ويزيد حجمها، وهذا الاستحلاب هو ما يحمل القشدة. ونسخة الشمندر لا تغيّر إلا الخضار المضاف، والآلية واحدة. أما البليلة اللبنانية فتتوقف قبل الهريس: لا يُهرس إلا جزء من الحمص مع الثوم والليمون وزيت الزيتون والكمون، فيحتفظ الطبق بحباته الكاملة.
الدقيق: مطبخ آخر
مطحونا نيئا يصير الحمص دقيقا بلا غلوتين، غنيا بالبروتين، يتماسك في الفرن أو المقلاة بلا خميرة. وطبقان متوسطيان يعيشان عليه.
السوكا النيسية خليط سائل جدا من دقيق وماء وزيت زيتون وملح، يُطبخ دقائق على حرارة عنيفة، فيخرج طريا في وسطه محروقا في مواضع، ويُؤكل واقفا. والكرنتيكا الوهرانية تنطلق من القاعدة نفسها لكنها تُخبز في صينية سميكة حتى تتماسك كفلان، وتُقدَّم مربعات مع الكمون والهريسة. وفي الحالتين، راحة الخليط ساعة على الأقل تروي النشا وتزيل طعم الدقيق النيء.
حبة واحدة ومنطق مختلف
الحمص الصحيح يبني الأطباق البطيئة حيثما زُرع. الريفيثيا اليونانية تخبزه طويلا مع إكليل الجبل والبصل والليمون: مكونات قليلة ووقت كثير. وشانا ماسالا تبني أولا قاعدة بصل وطماطم محمّرة ثم تترك الحمص يأخذ الصلصة. والكشري يستعمله قواما بين أقوام، إلى جانب الأرز والعدس والمعكرونة.
صفحة الحمص تجمع الوصفات بحسب حالة التحضير. والعادة المفيدة في المطبخ تختصر في سؤال: في أي حالة يحتاج هذا الطبق الحمص؟ والجواب يحدد الشراء والنقع والوقت قبل التوابل بكثير.









